فؤاد ابراهيم
104
الشيعة في السعودية
فهؤلاء يعتقدون خطأ بأن جانب الفقه من الممكن أن يتساوى مع جانب الشريعة أي النص الإلهي . إن الدولة في الوعي الإسلامي العام هي كيان جغرافي مفتوح ، أي ممتد الأفق ، وإن حدود الكيان يتعيّن وفق معيار ديني وليس سياسيا ، أي إن الانضواء تحت لواء الدولة يتم عبر الإيمان بقيم الإسلام وشريعته . وهذا من شأنه إطاحة - نظريا على الأقل - الحدود المرسومة حاليا بين الدول في العالم الإسلامي ، باعتبار أن دولة الإسلام قائمة بالمؤمنين به وليس بإطارها الجيوبوليتيكي ، وبهذا التفسير فإن الدولة مؤسسة على المبادئ الكونية للإسلام لحماية الدين وإيصال رسالته للعالم . على الضد من ذلك ، فإن ثمة تصنيما خفيّا للدولة يطوي ممانعتها الظاهرية باعتبارها ظاهرة علمانية وحديثة . فقد تحوّلت الدولة القومية إلى هيكلية معيارية بالنسبة للمنظّر الإسلاموي ، تماما كما هي معيارية لغير المسلم أيضا . فالدولة قادرة على تجسيد قلة من الأفكار الدينية في مجال العدالة الاجتماعية ، وفرض التراتب القبلي أو التسلط العسكري أو كليهما معا . وبهذا فإن الدولة الوطنية في الإسلام هي أيديولوجيا وليست مفهوما إقليميا ، على قول لامبتون ، بما يملي الاعتقاد لدى منظّري الدولة الحديثة بأن مفهوم الدولة بقي أجنبيا لدى المسلمين كونهم يتحدّرون من مجتمع قبلي يتوحد أفراده لا على أساس المواطنة بل على أساس الدم ، وأن الدين أضفى لونه الخاص على النظم التقليدية برغم تبنّي مفهوم مرن للكيان السيادي المطلوب تشكيله كي ينضوي فيه المؤمنون . إن دولة - الأمّة ، وإن مثّلت يوتوبيا دينية لدى المتماثلين أيديولوجيا ، تصبح ممقوتة حين توضع في سياق قسمة الغنائم والمسؤوليات بين أفرادها فإن مواطني الدول القطرية الثرية ينفرون من خيار الانضواء في كيان جيو سياسي آخر يسلب منهم ما في أيديهم من امتيازات مادية ومعنوية ، بعكس مواطني الدول القطرية الفقيرة ، الذين سيؤدي اندماجهم في كيان كبير إلى تحسين ظروفهم المادية ، وهذا هو المقصود بتصنيم الدولة القطرية على أيدي رافعي لواء دولة - الأمّة ، في الدول الغنيّة .